العلامة المجلسي
39
بحار الأنوار
فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما ، والخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواسا . ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ، وكل حادث لابد له من سبب ومهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الأسباب ، هذا ما عرف من سنة الله عز وجل في ترتيب المسببات على الأسباب فمهما استنار حيطان البيت بنور النار ، وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة ، كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا ، واللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا فان المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة . والملك عبارة عن خلق خلقه الله ، شأنه إفاضة الخير ، وإفادة العلم ، وكشف الحق ، والوعد بالمعروف ، وقد خلقه الله وسخره لذلك ، والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك ، وهو الوعد بالشر ، والامر بالفحشاء ، والتخويف عند الهم بالخير بالفقر . والوسوسة في مقابلة الالهام ، والشيطان في مقابلة الملك ، والتوفيق في مقابلة الخذلان ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " ( 1 ) فان الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى ، فإنه لا مقابل له ، بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها . والقلب متجاذب بين الشيطان والملك ، فقد قال صلى الله عليه وآله : للقلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليتعوذ من الشيطان ثم تلا " الشيطان يعدكم الفقر " ( 2 ) الآية . ولتجاذب القلب بين هاتين اللمتين قال رسول الله صلى الله عليه وآله : قلب المؤمن بين
--> ( 1 ) الذاريات : 49 . ( 2 ) البقرة : 268 .